الشيخ محمد رشيد رضا

85

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بطريق يعتقد به ثبوته عمل به ، ولم يوجبوا على أحد ولو منقطعا لتحصيل العلم أن يبحث عن جميع ما روي من هذه الآحاد ويعمل بها ، كيف والصحابة عليهم الرضوان لم يكتبوا الحديث ولم يتصدوا لجمعه وتلقينه للناس ، بل منهم من نهى عن كتابته ، ومن حدث فإنما كان يقول ما يعلم إذا عرض له سبب مع المخاطبين . فمثل هذه الفروع يعذر العامي بجهلها بالأولى ، ويجب عليه التحري في قبول ما يبلغه منها ، فلا يقبل رواية كل أحد ولا يسلم كل ما في الكتب لكثرة الموضوعات والضعاف فيها . ولا مشقة ولا حرج على المسلمين في التزام هذه الطريقة الا إذا كانوا يريدون ترك دينهم برمته اكتفاء ببعض العادات والاعمال التي لا يكاد يسهل عليهم تمييز السنة فيها من البدعة تقليدا لآبائهم ومعاشريهم فتبين مما شرحناه أن لا عذر لأحد في التقليد المحض وأن حكم الآية يستغرق جميع المقلدين فهم اتخذوا مقلديهم أندادا وسيتبرأ التابع من المتبوع إذ يرون العذاب ، وتتقطع بهم الأسباب . ومن مباحث اللفظ في الآيتين أن التشبيه في قوله تعالى ( كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ ) هو تشبيه حالة بحالة ذكرت في الكلام السابق أي كذلك النحو الذي ذكر من إراءتهم العذاب سيريهم اللّه أعمالهم حسرات عليهم ، والذين تنطعوا في إعرابها من المفسرين صرفتهم قواعد النحو عن ملاحظة الأسلوب العربي في مثل هذا ، على أن له نظائر في كلام العامة في كل زمان هي مما بقي لهم من الأساليب العربية الفصيحة لم تفسدها العجمة إذ لا تمجها أذواق الأعجمين ومنها قوله تعالى ( وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ) قال الأستاذ الامام : جاءت فيه الباء لمعنى خاص لا يظهر فيما ذكروه هنا من معانبها ، وانما يفهمه العربي من الأسلوب ، فإنك إذا قلت هنا كما قال الجلال تقطعت عنهم الأسباب لا ترى في نفسك الأثر الذي تراه عند تلاوة العبارة الأولى التي تمثل لك التابعين والمتبوعين كعقد انفرط بانقطاع سلكه فذهبت كل حبة منه في ناحية أقول وتوضيحه أن هؤلاء المقلدين قد كانوا مرتبطين في الدنيا ومتصلا بعضهم ببعض بأنواع من المنافع والمصالح يستمدها كل من التابع والمتبوع من